علم اقتصاد الوقف الجزء الثاني

علم اقتصاد الوقف: المضمون الحضاري لفكرة الوقف

تُعدّ الصلة بين الوقف بوصفه نظامًا ومفهومًا ومضمونًا حضاريًا، وبين الاقتصاد، صلةً عميقة، تتجلى بوابتها في فكرة التنمية المستدامة بمفهومها ومضمونها المقاصدي الإسلامي.
حيث تُجسّد التنمية المستدامة البعد الاقتصادي للوقف، باعتباره صدقة جارية ممتدة الأثر عبر الزمن.
ويمثل نظام الوقف الإسلامي، بأبعاده ومضامينه وأنشطته الاقتصادية والاجتماعية، أحد أبرز ركائز الحضارة الإسلامية، وإحدى مبتكراتها العظيمة التي جسدت دور المجتمع في بناء العلاقات الاجتماعية وترسيخ قيم التكافل والتراحم.
ولم يأتِ الوقف من فراغ، بل شُرِع لتحقيق مصالح الناس، وتعزيز التوظيف الأمثل للمال والثروة، انطلاقًا من اعتبار المال أداة ذات وظيفة اجتماعية، تتجاوز كونه وسيلة للاستهلاك الفردي.

الصلة بين اقتصاد الوقف والاقتصاد السياسي

يُعدّ اقتصاد الوقف نسقًا اقتصاديًا واجتماعيًا أصيلًا في بنية المجتمع، يقوم في جوهره على مبدأ التعاون، تطبيقًا لقوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
كما يستند إلى مبدأ التضامن المجتمعي، تجسيدًا لقول النبي ﷺ:
“مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى”.
ومن هذا المنطلق، يُجسد الوقف نموذجًا تكامليًا (تشاركيًا) في توصيف العلاقة بين المجتمع والدولة، بعيدًا عن النموذج الصراعي، ويتضح ذلك من خلال:
تعزيز استقلالية المجتمع عبر مؤسساته الأهلية والمدنية.
إسهام المجتمع القوي بمؤسساته الخيرية في تعزيز قوة الدولة، بما يحقق شراكة متوازنة قائمة على التكامل وتوزيع الأدوار.
الإسهام في سد الفجوة بين دور الدولة ودور المجتمع، من خلال مبادرات أهلية ذاتية التمويل ومستقلة الإدارة، مما يخفف الأعباء عن الدولة.
دور الوقف في دعم المجتمع والدولة

يسهم الوقف في تحقيق جملة من الأدوار الحيوية، من أبرزها:

تقديم خدمات ومنافع للمجتمع دون مقابل.
تخفيف الأعباء الاجتماعية والاقتصادية عن كاهل الدولة.
تمكين الدولة من التفرغ لأدوارها الاستراتيجية بكفاءة أعلى.
الوقف بين التكامل والتحديات التاريخية

ورغم أن مبدأ التعاون والتكامل يمثل الأساس الذي يقوم عليه الوقف، إلا أن هذه الشراكة لم تكن دائمًا محل التزام، إذ شهد التاريخ فترات استثنائية تعرض فيها هذا الدور للاختلال.
ومع ذلك، تؤكد التجارب أن قوة الدولة تنبع من قوة المجتمع، وأن قوة المجتمع ترتبط بمدى استعادة الوقف لدوره الاقتصادي والاجتماعي والقيمي، باعتباره ركيزة من ركائز النهوض الحضاري.

✍️ بقلم / أ.د. محمد أحمد حسن الأفندي

أ.د. محمد أحمد حسن الأفندي
هو أستاذ في الاقتصاد وأحد أبرز الأكاديميين والخبراء الاقتصاديين في اليمن، حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كولورادو بولدر عام 1991، حيث ركزت أطروحته على سياسات الاستقرار الاقتصادي في الجمهورية اليمنية .

يمتلك خبرة أكاديمية وبحثية تمتد لعقود، حيث تدرّج في السلك الأكاديمي حتى نال درجة الأستاذية عام 2002، ودرّس في عدد من الجامعات اليمنية والعربية، وأسهم في إعداد أجيال من الباحثين من خلال تدريسه والإشراف على رسائل الماجستير في مجالات الاقتصاد المختلفة .

تتركز اهتماماته العلمية في مجالات الاقتصاد النقدي والمالي، وسياسات الاستقرار الاقتصادي، والاقتصاد القياسي، إضافة إلى الاقتصاد الإسلامي ودراسات تقييم المشاريع . وقد أثرى المكتبة الاقتصادية بأكثر من 60 بحثًا علميًا، إلى جانب عدد من المؤلفات المتخصصة في الاقتصاد الكلي والنقدي والاقتصاد الإسلامي .

شغل الأفندي عددًا من المناصب القيادية والاستشارية، من أبرزها وزير التجارة والتموين سابقًا، وعضو مجلس النواب، وعضو مجلس الشورى، كما ساهم في صياغة السياسات الاقتصادية ومناقشة الخطط التنموية في اليمن، وقدم استشارات للقطاعين الحكومي والخاص والمنظمات الدولية .

ويُعدّ من الأسماء البارزة في الفكر الاقتصادي اليمني، حيث يجمع بين الخبرة الأكاديمية والممارسة العملية، ويُسهم من خلال أبحاثه وكتاباته في تحليل قضايا التنمية والاستقرار الاقتصادي وبناء الرؤى الاستراتيجية لمستقبل الاقتصاد اليمني.

Shopping Cart
Scroll to Top