سر استدامة هارفارد: كيف يصنع الوقف (Endowment) قوة الجامعات الكبرى؟

هل تساءلت يومًا كيف تستمر جامعات عالمية مثل هارفارد في تحقيق هذا المستوى من التميز لعقود طويلة؟ قد يعتقد البعض أن السر يكمن في الرسوم الدراسية المرتفعة، لكن الواقع يكشف عن نموذج اقتصادي أكثر عمقًا واستدامة، وهو نظام الوقف (Endowment)، الذي يُعد من أهم مصادر القوة المالية للمؤسسات التعليمية الكبرى.

الوقف هو نظام مالي يقوم على تخصيص أموال أو أصول يتم استثمارها بشكل احترافي، مع الحفاظ على الأصل وصرف العوائد لدعم الأنشطة المختلفة. هذا النموذج يتيح للجامعات تحقيق استدامة مالية طويلة الأمد، دون الاعتماد الكامل على الرسوم الدراسية أو التبرعات المؤقتة.

في عام 1974، عززت هارفارد هذا التوجه من خلال تأسيس شركة Harvard Management Company، وهي الجهة المسؤولة عن إدارة أموال الوقف واستثمارها في مجموعة متنوعة من الأصول مثل الأسهم والعقارات والصناديق الاستثمارية. يهدف هذا النهج إلى تحقيق عوائد مستقرة تدعم الجامعة وتضمن استمراريتها.

يُقدّر حجم وقف هارفارد اليوم بحوالي 53.2 مليار دولار، ما يجعله من أكبر الأوقاف الجامعية في العالم. ولا يقتصر نجاح هذا النموذج على حجم الأموال فقط، بل يمتد إلى كفاءة إدارتها، حيث حقق الوقف في بعض السنوات عوائد مرتفعة، وصلت إلى نحو 34% في عام 2021، وهي نسبة استثنائية، بينما تتراوح العوائد على المدى الطويل بين 5% و10% سنويًا.

تُستخدم هذه العوائد في تمويل المنح الدراسية، ودعم الأبحاث العلمية، وتغطية التكاليف التشغيلية للجامعة، مما يساهم في الحفاظ على جودة التعليم وتوفير فرص متكافئة للطلاب. ويقوم هذا النظام على مبدأ بسيط وفعال، وهو الحفاظ على الأصل واستثمار العوائد لضمان استمرارية الأثر.

ولا يقتصر نموذج الوقف على هارفارد فقط، بل يُعد من أبرز نماذج الاستدامة المالية في المؤسسات التعليمية حول العالم، حيث تُدار الأوقاف كاستثمارات احترافية قادرة على التكيف مع التغيرات الاقتصادية وتحقيق نمو مستمر.

في النهاية، يكمن الفرق الجوهري بين التبرع والوقف في الاستدامة؛ فالتبرع يُصرف مرة واحدة وينتهي أثره، بينما الوقف يُستثمر ويستمر في تحقيق العوائد، مما يجعله أداة قوية لبناء مؤسسات مستقرة ومؤثرة على المدى الطويل.

Shopping Cart
Scroll to Top