علم اقتصاد الوقف الجزء الثالث

يُعرف الاستثمار في الوقف بأنه توظيف حصة من مال الواقف أو ثروته الحرة على سبيل الوقف، وفقاً للشروط الشرعية، وذلك بهدف تكوين أصول وقفية، إعمارها، واستثمار ريعها. ويرمي هذا التوظيف إلى تحقيق منافع وعوائد مستدامة وقابلة للنمو والزيادة، تُصرف على الموقوف عليهم أو في جهات البر والإحسان المختلفة في المجتمع. وبناءً على ذلك، يمثل الاستثمار الوقفي استثماراً في فلاح وسعادة الواقف في الدنيا والآخرة؛ أي أنه استثمار مادي (اقتصادي)، واستثمار أخلاقي معنوي (غير مادي) في آنٍ واحد.

وهناك ثلاث قضايا رئيسة يشير لها هذا التعريف، وهي: مدلول التوظيف، وثنائية الاستثمار الوقفي، وثنائية الفترة الزمنية في الاستثمار الوقفي.

ويقصد بالتوظيف قيام الواقف بتخصيص جزء من ماله وثروته، سواء كان ذلك حصة من أرباح تجارته، أو فائض ريع أصول موقوفة، أو جزءاً من دخل الحكومة وملكيتها. ويتم هذا التخصيص على سبيل الوقف، وهو ما يعني “حبس العين وتسبيل المنفعة”. ويمثل هذا النوع من التصرف خياراً للتضحية بالاستهلاك الحاضر مقابل مكاسب وعوائد أكبر في المستقبل، حيث يتبع الواقف سلوكاً ادخارياً منتجاً (وليس عقيماً)، فيوجه جزءاً من ثروته لتكوين أصول وقفية مستدامة.

إن الادخار الوقفي لا يعد كنزاً للأموال أو إخراجاً لها من الدائرة الاقتصادية، بل هو إنفاق استثماري خيري مباشر يساهم في تكوين أصول وقفية لأول مرة (أصول أولية). ومن منظور الاقتصاد الكلي، يعتبر هذا الإنفاق عنصراً رئيساً من عناصر الطلب الكلي في المجتمع، كما أن من معاني التوظيف أيضاً الاستثمار في إعمار الأصول الموقوفة لضمان استدامة منافعها.

كما يجب التمييز بين مفهومين دقيقين في هذا السياق؛ أولهما “الاستثمار في الوقف”، وهو الإنشاء الأولي للأصول الوقفية أو الإضافة إليها والمحافظة على قدرتها الإنتاجية، تجديداً أو استبدالاً، وفي هذه الحالة يكون الوقف طالباً للتمويل. أما المفهوم الثاني فهو “استثمار الوقف”، ويقصد به تشغيل واستعمال أموال الوقف للحصول على الغلة التي تُصرف في أوجه البر، وفي هذه الحالة يكون الوقف هو الممول.

وعند النظر إلى التوظيف باعتباره تمويلاً، ينبغي التفريق بين التمويل طويل الأجل والتمويل قصير الأجل. فالتمويل طويل الأجل يتجه نحو تنمية الأصول الوقفية لزيادة قيمتها الرأسمالية وضمان استدامة عوائدها لفترات طويلة، بينما يتجه التمويل قصير الأجل نحو تمويل استغلال الأصول الوقفية، مثل تغطية مصاريف التشغيل، وهو نوع يحقق أغراض البر الحالية لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة القيمة الرأسمالية للأصل.

وبهذا المضمون، يحقق الاستثمار الوقفي مقاصد الوقف الشرعية؛ بدءاً من الجانب التعبدي للواقف عند الإنشاء، وصولاً إلى المحافظة على الوقف وتنميته وإعماره لضمان ديمومة النفع العام، وبالتالي تحقيق هدف تأبيد الوقف.

✍️ بقلم / أ.د. محمد أحمد حسن الأفندي

أ.د. محمد أحمد حسن الأفندي
هو أستاذ في الاقتصاد وأحد أبرز الأكاديميين والخبراء الاقتصاديين في اليمن، حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة كولورادو بولدر عام 1991، حيث ركزت أطروحته على سياسات الاستقرار الاقتصادي في الجمهورية اليمنية .

يمتلك خبرة أكاديمية وبحثية تمتد لعقود، حيث تدرّج في السلك الأكاديمي حتى نال درجة الأستاذية عام 2002، ودرّس في عدد من الجامعات اليمنية والعربية، وأسهم في إعداد أجيال من الباحثين من خلال تدريسه والإشراف على رسائل الماجستير في مجالات الاقتصاد المختلفة .

تتركز اهتماماته العلمية في مجالات الاقتصاد النقدي والمالي، وسياسات الاستقرار الاقتصادي، والاقتصاد القياسي، إضافة إلى الاقتصاد الإسلامي ودراسات تقييم المشاريع . وقد أثرى المكتبة الاقتصادية بأكثر من 60 بحثًا علميًا، إلى جانب عدد من المؤلفات المتخصصة في الاقتصاد الكلي والنقدي والاقتصاد الإسلامي .

شغل الأفندي عددًا من المناصب القيادية والاستشارية، من أبرزها وزير التجارة والتموين سابقًا، وعضو مجلس النواب، وعضو مجلس الشورى، كما ساهم في صياغة السياسات الاقتصادية ومناقشة الخطط التنموية في اليمن، وقدم استشارات للقطاعين الحكومي والخاص والمنظمات الدولية .

ويُعدّ من الأسماء البارزة في الفكر الاقتصادي اليمني، حيث يجمع بين الخبرة الأكاديمية والممارسة العملية، ويُسهم من خلال أبحاثه وكتاباته في تحليل قضايا التنمية والاستقرار الاقتصادي وبناء الرؤى الاستراتيجية لمستقبل الاقتصاد اليمني.

للإطلاع على المقالات السابقة : علم اقتصاد الوقف الجزء الثاني و علم اقتصاد الوقف الجزء الأول

Shopping Cart
Scroll to Top